التحديث بأحسن الحديث (١)
من تأمل قول الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وجدها عماد سورة الفاتحة، فإنها واردة لغرض عظيم وهو تقرير أن الله هو المستحق والمختص بالعبودية والاستعانة، وقد تواترت أقوال العلماء في فضلها، كقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «هاتان الكلمتان تجمعان معاني الكتب المنزلة من السماء»⁽¹⁾.
وهذه الآية هي موضوع الرُّقْيَة وسر الدواء في الفاتحة، قال ابن القيم: «ولا ريب أن هاتين الكلمتين من أقوى أجزاء هذا الدواء؛ فإن فيهما من عموم التفويض والتوكل والالتجاء والاستعانة والافتقار والطلب، والجمع بين أعلى الغايات - وهي عبادة الرب وحده - وأشرف الوسائل - وهي الاستعانة به على عبادته - ما ليس في غيرها، ولقد مرَّ بي وقتٌ بمكة سقمتُ فيه وفقدتُ الطبيب والدواء، فكنت أتعالج بها، آخذ شربة من ماء زمزم وأقرؤها عليها مراراً، ثم أشربه، فوجدت بذلك البرء التام، ثم صرت أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع، فانتفعت بها غاية الانتفاع»⁽²⁾.
ومن هدايات هذه الآية العظيمة: أنها جاءت بعد أوصاف الثناء والمدح لله سبحانه، فإن الذي يستحق هذه الصفات أحَقُّ أن يُخَصَّ بالعبادة والاستعانة، وفي ذلك إشارةٌ إلى أن كمال العبودية لا يتحقق إلا بمعرفة الله ومعرفة وجوه كماله سبحانه، فَمَن كان بالله أعرف كان له أتقى.
اللَّهُمَّ أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
(١) دقائق التفسير (٢١٢/١). (٢) زاد المعاد (١٦٤/٤).