تيسير تدبُّر القرآن الكريم(٢)
أصلُ (التدبُّرِ) في اللغة مأخوذٌ مِن مادَّةِ (دَبَرَ)، ومعظمُ هذه المادة في قياسٍ واحدٍ وهو آخِرُ الشيءِ وخَلْفُه(١). ويُقال: تَدبَّرَ؛ إذا نظَر في دُبُرِ الأمرِ، أي: في غائبهِ، أو في عاقبتهِ(٢).
فالتدبُّرُ إذن هو النظر في أدبار الأمورِ؛ أي: أواخرها ونتائجها وعواقبها، كما عبَّر عنه بعض المفسرين، واستُعمِل في كلِّ تأمُّلٍ، سواءً كان نظرًا في حقيقة الشيء وأجزائهِ، أم في سوابقهِ وأسبابهِ، أم في لواحقهِ وأعقابهِ(٣).
وذكر العلماء لتدبُّرِ القرآن معاني متعددة، وأغلبها يدور على "التأمل والنظر في الآيات وتَفَهُّمِ معانيها للاهتداء والعمل بها"، وهو مراتب ومستويات تختلف باختلاف إيمان القارئ وملَكته العلمية.
وهناك ألفاظٌ لها علاقةٌ بالتدبُّر من حيث المعنى، وقد ذكر ابنُ القيِّم رحمه الله عددًا من الألفاظ المتصلة ببعضها، وهي: التفكُّر، والتذكُّر، والنظر، والتأمُّل، والاعتبار، والتدبُّر، والاستبصار، فقال: (هذه معانٍ مُتقاربةٌ تجتمع في شيء، وتتفرَّق في آخر.
» فيُسمَّى تفكُّرًا: لأنَّه استعمالُ الفكرة في ذلك، وإحضاره عنده.
» ويُسمَّى تذكُّرًا: لأنَّه إحضارٌ للعلم الذي يجب مراعاته بعد ذهوله وغَيبَته عنه...
» ويُسمَّى نظرًا: لأنَّه التفاتٌ بالقلب إلى المنظور فيه.
» ويُسمَّى تأمُّلًا: لأنَّه مراجعةٌ للنظر كرَّةً بعد كرَّةٍ؛ حتى يتجلَّى له وينكشف لقلبه.
» ويُسمَّى اعتبارًا: وهو افتعالٌ من العُبُور؛ لأنَّه يَعبرُ منه إلى غيره، فيَعبرُ من ذلك الذي قد فكَّر فيه إلى معرفة ثالثة، وهي المقصود من الاعتبار...
» ويُسمَّى تدبُّرًا: لأنَّه نظرٌ في أدبارِ الأمورِ، وهي أواخرها وعواقبها... وتدبُّرُ الكلامِ: أن ينظر في أوَّله وآخره، ثمَّ يُعيدُ نظرهُ مرَّةً بعد مرَّةٍ؛ ولهذا جاء على بناءِ التَّفَعُّلِ؛ كالتَّجرُّعِ والتَّفهُّمِ والتَّبيُّنِ.
» ويُسمَّى استبصارًا: وهو استفعالٌ من التَّبصُّرِ، وهو تبيُّنُ الأمرِ وانكشافُه وتجلِّيه للبصيرةِ.
وكلٌّ من التذكُّر والتفكُّر له فائدةٌ غيرُ فائدةِ الآخر، فالتذكُّرُ يفيد تكرارَ القلب على ما علمه وعرفه ليرسخ فيه ويثبُت، ولا ينمحي فيذهب أثره من القلب جملةً، والتفكُّرُ يفيد تكثيرَ العلم واستجلابَ ما ليس حاصلاً عند القلب؛ فالتفكُّرُ يُحصِّله، والتذكُّرُ يحفظه(٤).
- وما ذكره رحمه الله فيه الكفايةُ، ويُغني عن التفصيل في هذه المعاني.
- وأما التفسير فيمكن التعبير عنه بأنه: بيانُ معاني القرآن بما يَحصُل به فَهْمُهُ(٥)، وهو وسيلةٌ للتدبُّر؛ لأنه يُبيِّنُ المعاني المُعينةَ على التدبُّر.
- وأما الاستنباط فهو كما قال الطبري: (كُلُّ مُستخرِجٍ شيئًا كان مُستتِرًا عن أبصار العيون، أو عن معارف القلوب، فهو له مُستنبِطٌ)(٦).
- فالاستنباط من القرآن يكون بمعنى: استخراج الفوائد والأحكام وألوان اللطائف في العقائد والرقائق والمواعظ وغير ذلك(٧)، ويمكن القولُ بأنَّ كلَّ استنباطٍ تدبُّرٌ ولا عكس.
(١) انظر: العين (٣١/٨)، ومقاييس اللغة (٣٢٤/٢)، وأساس البلاغة (٢٧٨/١)، ولسان العرب (٢٦٨/٤). (٢) انظر: التحرير والتنوير (١٣٧/٥). (٣) انظر: الكشَّاف (٥٤٠/١)، ومدارك التنزيل للنَّسَفي (٣٧٨/١)، والبحر المحيط لأبي حيَّان (٧٢٣/٣)، وحاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (١٥٩/٣)، ورُوح البيان (٢٤٤/٢)، ومحاسن التأويل للقاسمي (٢٣٣/٣)، وتفسير المراغي (١٠٢/٥) (٤) مفتاح دار السعادة (١٨٢/١-١٨٣). (٥) قال الدكتور محمد حسين الذهبي في كتابه "التفسير والمفسرون" (١٢/١) عن إسهامات العلماء في تعريف التفسير: "عرَّفوه بتعاريف كثيرة، يمكن إرجاعُها كلِّها إلى واحدٍ منها، فهي وإن كانت مختلفةً من جهة اللفظ، إلَّا أنَّها مُتَّحِدَةٌ من جهة المعنى وما تهدف إليه". (٦) جامع البيان (٥٧١/٨). (٧) انظر: مفهوم التدبُّر (١٦٤).